• ×
الأربعاء 14 ربيع الأول 1443
سيار بن عبدالله الشمري

طلعة التمياط.. أهي الهجرة؟ أهي القرية؟ أهي المدينة؟

بواسطة سيار بن عبدالله الشمري 22-12-1442 22:58 2589 زيارات
أهي الهجرة؟ أهي القرية؟ أهي المدينة؟
لقد إحترت فيها فماذا لعلّي أن أسمّيها، فوجدتها سمفونيةً يا من يغنّيها))


في يوم أمس الأول من صيف ٢٠٢١ قمت بزيارة هجرة قرية مدينة طلعة التمياط للسلام على بعض الأصدقاء والأحبة والزملاء والإخوة الإعزاء بمناسبة عيد الأضحى المبارك أعاده الله علينا وعليكم وعلى جميع المسلمين بالخير واليمن والبركات. قادني الحنين إلى شوارعها حيث يشدني شوق غريب لها فتجولت بالشوارع والأحياء والطرقات، وقد تغيرت معظم إن لم تكن جميع معالمها. فإحترت فيها فماذا لعلي أن أسمّيها، هل هي الهجرة التي عشت فيها طفولتي؟ أم هي القرية التي غادرتها قبل ثلاثين عاما، أم هي المدينة كما تبدو لي الآن. فوجدتها الثلاثة مجتمعة معاً؛ فهي الهجرة والقرية في الألفة والمحبة والتكاتف الإجتماعي وتماسك أهلها وتمسكهم بعاداتهم وقربهم من بعض البعض وطيبهم وكرمهم وهي المدينة بشوارعها المنظمة وأرصفتها النظيفة وإنارتها الجميلة وحدائقها الغنّاء والمساحات الخضراء ومبانيها المشيّدة على الطراز الحديث. والجدير بالذكر أن الطلعة في فترة وجيزة تفوقت على العديد من القرى والمدن ممن سبقنها بسنوات عديدة.

دعوني أعود بكم إلى الماضي لما يقارب ثلاثون عاما حيث في عام ١٩٩٠ حزمت أمتعتي وأخذت أوراقي وشهاداتي في ملف أخضر علاقي وغادرت تلك القرية الهادئة والبسيطة ولكنها الحالمة في نفس الوقت متوجها إلى صخب المدينة وضوضائها وزحمتها وتكاليفها الباهظة حيث ذهبت إلى العاصمة الرياض لكي ألتحق بواحدة من أرقى جامعات المملكة (جامعة الملك سعود) ومن ثم ذهبت إلى مدينة الدمام لكي أنضّم إلى أحد أكبر شركات النفط في العالم (أرامكو) حيث إستقر بي الحال هناك وأمضيت سنين عدة في خدمة هذا الوطن المعطاء وإنه لشرف عظيم منّ الله به علي لكي أكون أحد منسوبي هذه الشركة العملاقة.

في ذلك اليوم الذي قمت فيه بزيارة الطلعة لقد ذهبت مبكرا نوعا ما لكي أتمكن من التجول في جنباتها وأستذكر الماضي الجميل الذي لم يغب عن عيني وعن مخيلتي ولو لبرهة. لا أدري هل كنت أقود سيارتي ام هي تسير بمحض إرادتها وبدون مبالغة لقد جبت الشوارع والحواري لا إراديا وفي كل زاوية أحاول أن أسترجع شيئا من الماضي. مررت بالمدرسة (مدرسة مشل التمياط الإبتدائية) والتي لا يتجاوز عدد فصولها العشر غرف تقريبا إن لم تخنّي الذاكرة وفي المنتصف يوجد ساحة كبيرة كنا نلعب بها لعبتنا المفضّلة "طاق طاق طاقية، رن رن يا جرس". ولقد درس في هذه المدرسة ومرّ من خلال بوّابتها الدكتور والمهندس والسفير والمحافظ والضابط والمعلم وغيرهم الكثير والتي أصبحت الآن تحمل إسم "واحة مشل للإبداع والمعرفة" فهي حقا المكان الخصب للإبداع وتبادل المعرفة والخبرات والذي يقام فيها بعض الإجتماعات والندوات فهي أصبحت بمثابة النادي الثقافي للبلدة. ومررت كذلك بمجمع أسواق طلعة التمياط البسيط آنذاك والمكوّن من بضعة دكاكين مهجورة والذي يقع بجانب "دكّان حميّد" (يعرفه أهالي الطلعة جيدا) فوجدت هذا السوق قد أصبح واحدا من أروع وأجمل الأسواق النسائية والذي ينافس بعض المولات والمجمعات النسائية ومن ثم أدركتني الصلاة فذهبت إلى المسجد (والذي كنت أرتاده مع والدي في الصغر وهو أقدم مسجد في البلدة) فوجدت ذلك المسجد الصغير والذي كان يحيط به سور بسيط وبداخله حوش مغطى بالحصى (البحص) وقد أصبح جامعا مزخرفاً بالرخام ومفروشاً بأحسن السجّاد. فشاهدت بأم عيني الفرق الشاسع بين تلك القرية التي تركتها وبين المدينة التي أشاهدها الآن, ولكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو طيبة أهلها وكرمهم ومجالسهم العامرة ودواوينهم المفتوحة في كل وقتٍ وحين وهذا ليس بمستغربٍ منهم. والجدير بالذكر أن هناك شبّات (جمع شبّة وهي التجمع لتناول القهوة وتبادل الأحاديث، والشبّة مأخوذه من لفظة شبّة النار ويشتهر بها أبناء البادية في الماضي وفيها دلالة ودعوة للحضور والإجتماع) كانت ولا زالت قائمة على ما يقارب من نصف قرن يتوارثها الأبناء بعد الأباء ويحافظون عليها. وهذه الشبّات بمثابة المناوبات (أي نظام الشفتات) بين الأهالي في الصباح والمساء وكأنها دوام رسمي إلتزم به أصحاب هذه الشبّات.






وتتميز طلعة التمياط بالعلاقة الوثيقة بين سكانها، ويظهر ذلك من خلال المُحافظة على التّقاليد والرّوابط الإجتماعية، وكذلك القيم الإنسانيّة مثل إحترام النّاس لبعضهم البعض، ومراعاة حقوق الجار، ومساعدة المحتاجين، والمشاركة في الأفراح والأتراح على حدٍ سواء، على عكس بعض المدن الحديثة والتي تتصف بالتّخلخل السكّاني الكبير غالباً. والشيء الآخر هو سر جاذبيتها والإيجابية التي تتميز بها وبهذه المناسبة أدعوا، بإسم أهالي طلعة التمياط الكرام، كل من ضاقت به الأرض ذرعا أن يأتي لزيارتها والتمتع بجمالها وتجديد طاقته وشحن همته والتزود بالطاقة الإيجابية. صدقاً، لا أدري ماهو سر جاذبيتها، ربما هو عراقتها وطيبة أهلها وكرمهم وحفاظهم على هذا الموروث والتاريخ المشرق جيلا بعد جيل. والشيء بالشيء يذكر، ففي مدخل المدينة من جهة الشرق وبجانب الطريق الدولي قد شيّد بيت من الشعر وكتب عليه "ميّة هلا" في مضيف طلعة التمياط وهو معد لإستقبال الزوار والضيوف. وفي الناحية المقابلة في مدخل المدينة من جهة الغرب يسحرك ذلك المكان الذي يرتدي ثوبه الأخضر ومنظر الأشجار والنوافير (الشلالات) على سفح المرتفعات وخصوصا في وقت العصير وكأنها لوحة فنية بأنامل رسامٍ ماهر وبألوانٍ زاهية ودقةٍ متناهية، فتأمّل هذا الفنان مليّاً فسرح بخياله الواسع فأبدع في تصوير أجمل مشهد تراه الأعين ويريح القلب والبال والخاطر.

وفي المساء غادرت مدينة طلعة التمياط وأنا أردد هذه الأبيات:

فودّعت الحي والطرف باكيا
والقلب خائر العزم مجهدي
صور المنازل في القلوب ستبقى
وياسنين العمر فأشهدي

لا زلت جيدا أذكر أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة, وذكريات الأمس مع كثير من الأهل والأحباب والأصدقاء لا زالت عالقة بالذاكرة صامدة أمام طوفان النسيان مع تقدم العمر وتغيّر الزمان. كم كنت ولا زلت أعشق ذلك المكان.

وقبل الختام، لعلي أقتبس شيء من كلمات الشيخ فيصل بن مشل التمياط في لقائه المميز على قناة توارن (يوتيوب) في برنامج شخصيات وطنيه https://youtu.be/y-QTgD4Q2Ro
حيث قال: ما وصلت إليه مدينة الطلعة من تقدم وإزدهار وهذا العمل المميز لا يجيّر لي وحدي فقبلي أخي الشيخ برغش وقبله والدي الشيخ مشل رحمهما الله وما أنا إلاّ مكمّل لمسيرتهم العطرة ولما قدموه من عطاء لجعل عجلة التطور تسير في مسارها الصحيح والتغلب على جميع العقبات والمصاعب المصاحبة لهذا التطور. وهذه الإشادة ليست مستغربة من أبا مثقال فهذا ديدن الكبار فهم لا يبخسون الناس حقوقهم ولا ينسبون النجاح لهم وحدهم.

وفي الختام, كل الشكر الجزيل لأمير منطقة الحدود الشمالية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد وأمانة المنطقة وبلدية طلعة التمياط لإهتمامهم وحرصهم الدائم على تطوير مدن المنطقة ولا ننسى دور أهالي طلعة التمياط بالمحافظة عليها وعدم العبث بها فهم يعون جيدا أنها وجدت لهم ومن أجلهم وهذا نابع من ثقافتهم العالية وحسن أخلاقهم. وأنا بدوري أهدي هذا المقال المتواضع إلى أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة وإلى جميع أهالي مدينة الطلعة الكرام وعلى رأسهم الشيخ فيصل بن مشل التمياط.


بقلم/ سيار بن عبدالله الشمري
@Sayyar_Shammary
sayyar.shammary40@gmail.com
أكثر